ابراهيم بن عمر البقاعي
9
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أصدق من وعده ، ثم أكده بقوله : حَقًّا أي ثابتا ثباتا لا شيء مثله ، لأنه وعد من لا شيء مثله ولا كفوء له . ولما كان النفس الغريب جديرا بالتأكيد ، أتى بصفتين مما أفهمه الإتيان بالجلالة تصريحا بهما تأكيدا لأن هذا لا بد منه فقال : وَهُوَ أي وعد بذلك والحال أنه الْعَزِيزُ فلا يغلبه شيء الْحَكِيمُ * أي المحكم لما يقوله ويفعله ، فلا يستطاع نقضه ولا نقصه . ولما ختم بصفتي العزة - وهي غاية القدرة - والحكمة - وهي ثمرة العلم - دل عليهما باتقان أفعاله وإحكامها فقال : خَلَقَ السَّماواتِ أي على علوها وكبرها وضخامتها بِغَيْرِ عَمَدٍ وقوله : تَرَوْنَها دال على الحكمة ، إن قلنا إنه صفة لعمد أو استئناف ، إما أن قلنا بالثاني فلكون مثل هذا الخلق الكبير الواسع يحمل بمحض القدرة ، وإن قلنا بالأول فتركيب مثله على عمد تكون في العادة حاملة له وهي مع ذلك بحيث لا ترى أدخل في الحكمة وأدق في اللطافة والعظمة ، لأنه يحتاج إلى عملين : تخفيف الكثيف وتقوية اللطيف . ولما ذكر العمد المقلة ، اتبعه الأوتاد المقرة فقال : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ أي التي أنتم عليها ، جبالا رَواسِيَ والعجب أنها من فوقها وجميع الرواسي التي تعرفونها تكون من تحت ، تثبتها عن أَنْ تَمِيدَ أي تتمايل مضطربة بِكُمْ كما هو شأن ما على ظهر الماء . ولا ذكر إيجادها وإصلاحها للاستقرار . ذكر ما خلقت له من الحيوان فقال : وَبَثَّ فِيها أي فرق مِنْ كُلِّ دابَّةٍ ولما ذكر ذلك ، ذكر ما يعيش به ، فقال منبها لمظهر العظمة على أن ذلك وإن كان لهم في بعضه تسبب لا يقدر عليه إلا هو سبحانه : وَأَنْزَلْنا أي بما لنا من العزة اللازمة للقدرة ، وقدم ما لا قدرة لمخلوق عليه بوجه فقال : مِنَ السَّماءِ ماءً ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات ، وكان من آثار الحكمة التابعة للعمل ، دل عليه بقوله : فَأَنْبَتْنا أي بما لنا من العلو في الحكمة فِيها أي الأرض بخلط الماء بترابها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي صنف من النبات متشابه كَرِيمٍ * بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور والمنفعة والكثرة الحافظة لتلك الدواب . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 11 إلى 12 ] هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 )